الشنقيطي

288

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

فيقال أيضا : إن العقل لا يستبعد هنا أن يكون إهلاك هذا الجيش الكبير بتلك الحجارة في مكان معسكره في بطن الوادي ، ووقوع الجثث مصابة بها ، لا يمنع أن تتعفن ثم يتولد منها مكروب الجدريّ ، ولا مانع من ذلك . والعلم عند اللّه تعالى . تنبيه آخر قالوا : إن أصحاب هذا الجيش نصارى وهم أهل دين وكتاب ، وأهل مكة وثنيون لا دين لهم ، والكعبة ممتلئة بالأصنام ، فكيف أهلك اللّه النصارى أصحاب الدين ولم يسلطهم على الوثنيين ؟ وأجيب عن ذلك بعدة أجوبة . منها : أن الجيش ظالم باغ ، والبغي مرتعه وخيم ، ولو كان المظلوم أقل من الظالم ، ويشهد لذلك الحديث « في نصرة المظلوم « 1 » ، واستجابة دعوته « 2 » ولو كان كافرا » . ومنها : أن الوثنية اعتداء على حق في اللّه في العبادة ، وغزو هذا الجيش اعتداء على حقوق العباد . ومنها : أنه إرهاص لمولد النّبي صلى اللّه عليه وسلم ، إذ ولد في هذا العام نفسه . وكلها وإن كانت لها وجه من النظر ، إلا أنه يبدو لي وجه ، وهو أن الأصل في نشأة البيت وإقامته ، إنما هو اللّه رفع قواعده وأقام الصلاة في رحابه ، وكان طاهرا مطهرا للعاكفين فيه والركع السجود ، وإنما الوثنية طارئة عليه وإلى أمد قصير مداه ودنا منتهاه ، لدين جديد . والمسيحية بنفسها تعلم ذلك وتنص عليه وتبشر به ، فكانت معتدية على الحقين معا ، حق اللّه في بيته ، والذي تعلم حرمته وماله ، وحق العباد الذين حوله . وكانت لو سلطت عليه بمثابة المنتصرة على مبدأ صحيح ، مع فسادها مبدأ

--> ( 1 ) أخرجه عن أنس بن مالك البخاري في المظالم حديث 2443 و 4444 . ( 2 ) أخرجه عن أبي هريرة : أبو داود في الصلاة حديث 1536 ، والترمذي في البر والصلة حديث 1905 ، وابن ماجة في الدعاء حديث 3862 ، وأحمد في المسند 2 / 258 ، 478 ، 517 ، 523 .